التحول نحو اقتصاد أخضر لم يعد خيارًا، بل ضرورة.
بالنسبة للمغرب، البلد النامي الذي يواجه قيودًا مزدوجة من النمو الحضري ونقص الموارد،إعادة التدوير والاقتصاد الدائريأصبحا أولويات استراتيجية.
على مدى السنوات القليلة الماضية، عززت الحكومة والهيئات المحلية والقطاع الخاص المبادرات لتحويل النفايات إلى موارد، والخسائر إلى فرص، والنفايات إلى وظائف.
لكن خلف الأرقام الواعدة، لا يزال الطريق نحو اقتصاد دائري فعال بشكل حقيقي طويلاً.
1. ملاحظة مقلقة: أطنان من النفايات لا تزال تُدار بشكل سيء
ينتج المغرب كل عام ما يقارب 7 ملايين طن من النفايات المنزلية، يأتي أكثر من نصفها من المدن الكبرى.
وفقًا لوزارة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة،فقط 10 إلى 12 %من هذه النفايات يتم تدويرها حاليًا. بينما ينتهي الباقي في مطامر مخصصة أو، والأسوأ، في مكبات غير قانونية.
الموقف حرج بشكل خاص في بعض المناطق الريفية حيث البنية التحتية لجمع وفرز النفايات شبه غير موجودة.
إن هذه الإدارة غير الفعالة تكلف المجتمع الكثير وتضر بالبيئة: تلوث التربة، انبعاثات الميثان، تلوث المياه الجوفية وزيادة المخاطر الصحية للسكان المحيطين.
2. طموحات مؤكدة: الرؤية المغربية للاقتصاد الدائري
أنشأ المغرب إطارًا استراتيجيًا وطنيًا للاقتصاد الدائري بحلول 2030, بما يتماشى مع الاستراتيجية الوطنية للتنمية المستدامة (SNDD).
الهدف واضح: تقليل 50 % من النفايات المُرسلة إلى المطامر بحلول 2030 وجعل إعادة التدوير قطاعًا اقتصاديًا قائمًا بذاته.
تتجه العديد من المبادرات العامة في هذا الاتجاه:
-
البرنامج الوطني للنفايات المنزلية (PNDM), الذي انطلق منذ عام 2008، لتعميم الجمع المنظم وإعادة تأهيل المطامر.
-
البرنامج الوطني لتدوير النفايات (PNVD), الذي يشجع على الفرز، والاسترجاع، والسماد العضوي.
-
الميثاق الوطني للبيئة والتنمية المستدامة, المدرج في الدستور منذ عام 2011.
لكن النتائج لا تزال متباينة. لقد تحقق تقدم في مجال البنية التحتية، لكن إعادة التدوير الصناعي لا يزال في مراحله الأولى، ولا يزال القطاع غير الرسمي يهيمن على السوق.
3. الدور غير المرئي ولكن الأساسي للقطاع غير الرسمي
في المغرب، يعيش الآلاف من الأشخاص من فرز وإعادة بيع النفايات.
هؤلاء "البركة" - جامعي النفايات غير الرسميين - يجمعون البلاستيك، والمعدن، والورق، والزجاج من المطامر أو من الشوارع.
وفقًا لدراسة من GIZ، تعتمد حوالي 85 % من إعادة التدوير الفعلي في البلاد على هذا القطاع غير الرسمي..
إن التناقض لافت: أولئك الذين يساهمون بشكل ملموس في تقليل النفايات يعملون دون حماية، ودون وضع، ودون اعتراف رسمي.
تسعى العديد من المشاريع التجريبية، وخاصة في الرباط وفاس، إلى دمج هؤلاء الفاعلين في سلاسل القيمة الرسمية. لكن تضمينهم الاجتماعي والاقتصادي لا يزال تحديًا رئيسيًا.
4. المبادرات الخاصة: عندما تصبح إعادة التدوير فرصة اقتصادية
تبدأ العديد من الشركات المغربية في الاستثمار في تدوير النفايات.
تقوم شركات ناشئة مثل كلينيرجي, زيرو زبل, سنام المغرب أو إيكومبتطوير نماذج دائرية مبتكرة: الفرز عند المصدر، جمع انتقائي، سماد مجتمعي وتحويل البلاستيك إلى مواد أولية قابلة لإعادة الاستخدام.
كما أن القطاع الصناعي بدأ في المشاركة: OCP, لافارج هولسيم المغرب, سويسرا لأسمنت المغرب أو حتى المغرب ستيلتدمج تدريجيًا عمليات الاسترجاع وإعادة الاستخدام في خطوط إنتاجها.
تتيح هذه الخطوات تقليل التكاليف وتحسين الصورة البيئية للشركات - وهو ميزة متزايدة في الأسواق الدولية.
5. إعادة التدوير والوظائف: قطاع يخلق قيمة
الاقتصاد الدائري ليس مجرد قضية بيئية، بل هو أيضًا رافعة اجتماعية واقتصادية،.
تقدر الوزارة أن تعميم إعادة التدوير يمكن أن يخلق حتى 50,000 وظيفة مباشرة بحلول 2030..
تشمل المهن في الفرز، واللوجستيات، والتحويل، والصيانة مجموعة من الوظائف الخضراء التي يمكن أن تساهم في إدماج الشباب والنساء.
تظهر بعض التعاونيات، مثل تعاونية التوافق في مراكش، الطريق من خلال تنظيم أنشطة الفرز وتوفير ظروف عمل كريمة.
تثبت هذه النجاحات المحلية أن النهج التشاركي والمجتمعي يمكن أن يحدث فرقًا.
6. التحديات الهيكلية: التمويل، الفرز الانتقائي، والتوعية
العائق الرئيسي أمام الاقتصاد الدائري هو نقص التمويل المستدام..
تتملك المجالس المحلية ميزانيات محدودة وتعتمد بشكل كبير على إعانات الدولة.
الفرز عند المصدر، وهو أمر أساسي لتحسين جودة إعادة التدوير، لا يُطبق إلا جزئيًا، وغالبًا بسبب نقص الوسائل اللوجستية أو الحوافز للمواطنين.
التوعية العامة أيضًا أمر حاسم. على الرغم من الحملات التي تم إجراؤها، لا يزال العديد من الأسر يخلطون جميع نفاياتهم.
لكن، دون الفرز من البداية، تظل تكاليف إعادة التدوير مرتفعة وفاعليتها ضعيفة.
وأخيرًا، الإطار القانوني، رغم طابعه التقدمي، يعاني من نقص في التنسيق.
تدخل عدة وزارات (الداخلية، البيئة، الصناعة)، ولكن دون انسجام دائم في أعمالها.
7. نحو اقتصاد دائري حقيقي: مفاتيح التغيير
لتحويل النموذج الخطي الحالي ("إنتاج-استھلاك-إلقاء") إلى نموذج دائري، سيحتاج المغرب إلى العمل على عدة محاور:
-
التعليم البيئي, بدءًا من التعليم الأولي، لترسخ ثقافة الاستدامة.
-
الحوافز الضريبية والتنظيميةللشركات التي تعيد التدوير أو تقلل من نفاياتها.
-
تعزيز الشراكات بين القطاعين العام والخاص, خاصة في الجمع والمعالجة.
-
إدماج القطاع غير الرسمي, من خلال تعاونيات تدعمها المجالس البلدية.
-
البحث والابتكار, لتطوير مواد قابلة لإعادة التدوير وسلاسل الإمداد القصيرة.
تشير أمثلة مثل المنطقة الصناعية بوسكورة, التي تهدف إلى الحياد الكربوني، إلى أن التغيير ممكن. ولكنه يتطلب رؤية مشتركة وإرادة سياسية مستمرة.
خاتمة
يمتلك المغرب الإمكانيات ليصبح نموذجًا أفريقيًا في مجال الاقتصاد الدائري، بشرط تحويل الطموحات إلى عمل.
الانتقال البيئي ليس مجرد شعار: بل هو مشروع وطني،, يشرك المواطنين والشركات والدولة.
بحلول 2030، يجب على المملكة أن تثبت أن إعادة التدوير ليست إصلاحًا، بل إعداد - إعداد مستقبل أكثر استدامة، وأكثر عدلاً، وأكثر ذكاءً.
المصادر:
-
وزارة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة – الإطار الاستراتيجي للاقتصاد الدائري 2030
-
GIZ المغرب – تقرير حول العمل غير الرسمي في إعادة التدوير بالمغرب
-
البنك الدولي – وظائف خضراء في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا
-
كلينيرجي المغرب – مبادرات 2024
-
الأمم المتحدة للبيئة – الاقتصاد الدائري في شمال أفريقيا 2024




