لطالما اعتبرت السياحة أحد محركات النمو بالمغرب. في عام 2019، قبل الجائحة، استقبلت البلاد أكثر من13 مليون زائر، مما حقق نحو80 مليار درهم من العائدات.
ثم غيرت الأزمة الصحية كل شيء: إغلاق الحدود، فقدان الوظائف، وانهيار متسلسل.
لكن، على عكس المتوقع، استطاع المملكة أن تعود بسرعة أكبر مما كان متوقعاً.
في عام 2024، تجاوز عدد السياح 15 مليون سائح، وهو رقم قياسي تاريخي.
وراء هذا العودة القوية، تطرح سؤالاً رئيسياً: كيف يمكن تحويل هذا الانتعاش الكمي إلى نمو نوعي ومستدام؟ ?
1. انتعاش مذهل ومدروس
لا يعود انتعاش القطاع السياحي المغربي إلى الحظ.
منذ عام 2022، أطلقت السلطات سلسلة من خطط الطوارئ لإعادة تنشيط الوجهة، وخاصة من خلال شراكات استراتيجية مع شركات الطيران ومنصات دولية.
قام المكتب الوطني المغربي للسياحة (ONMT) بإطلاق الحملة “المغرب، أرض النور”، التي ساهمت بشكل كبير في تحسين صورة البلاد في الأسواق الأوروبية.
النتيجة: أصبح المغرب اليوم من بينأكثر 10 وجهات ديناميكية في العالم، وفقًا لمنظمة السياحة العالمية (OMT).
لكن رغم عودة الأرقام إلى التحسن، تظل استدامة النموذج هشة.
2. نحو نموذج جديد: من السياحة الجماعية إلى السياحة المسؤولة
تحدد الاستراتيجية الوطنية للسياحة 2023-2030، المعروفة باسم “قبلة 2030”، خارطة طريق طموحة:
-
مضاعفة عدد السياح إلى 26 مليون بحلول عام 2030؛
-
خلق 200,000 وظيفة جديدة؛
-
زيادة العائدات السياحية لأكثر من 120 مليار درهم؛
-
وخصوصاً، دمج تنمية القطاع في منطق مستدام وشامل..
تُغيّر هذه المقاربة النموذج التقليدي للسياحة الجماعية.
يستهدف المغرب الآن تنويع التجارب السياحية: السياحة البيئية، والسياحة الريفية، والثقافية، والرياضية، والغذائية.
تبدأ المناطق الداخلية من البلاد — مثل شفشاون، ووارزازات، وتافراوت، وأزيلال — في التموقع كوجهات متخصصة، قادرة على جذب جمهور يبحث عن الأصالة.
3. المناطق، اللاعبون الجدد في السياحة المستدامة
سمح عملية الجهوية المتقدمة للمناطق بلعب دور متزايد في التخطيط السياحي.
تجري بعض المناطق، مثل سوس ماسة أو دراعة-تافيلالت، تجارب لنماذج تشاركية حيث تقوم الجماعات، والجمعيات، والمشغلون المحليون معاً بإنشاء جولات متكاملة.
مثال مميز: مشروع “جبال المغرب”، المدعوم من GIZ ووزارة السياحة، يعزز السياحة الريفية المحترمة للبيئة ويخلق فرص عمل للشباب.
في الأطلس العالي، تقوم تعاونيات النساء بتحويل المنتجات الزراعية المحلية (زيت الأركان، العسل، الزعفران) إلى تذكارات أخلاقية تُباع مباشرة للزوار.
تجسد هذه المبادرات المحلية الوجه الجديد للسياحة المغربية: متضامنة، متجذرة وإنسانية..
4. التحدي البيئي: الحماية لاستقبال أفضل
السياحة هي ضحية وفاعلة في التغير المناخي.
تساهم المنتجعات، والبنى التحتية، والنقل في انبعاثات ثاني أكسيد الكربون والضغط على الموارد المائية.
في سياق الضغط المتزايد على المياه، يجب على بعض الوجهات، مثل مراكش وأكادير، إعادة ابتكار نموذج إدارتها للمياه والطاقة.
أعلن الحكومة في عام 2024 عن إطلاق شهادة “السياحة المستدامة المغرب”، المستوحاة من المعايير الدولية لمجلس السياحة المستدام العالمي (GSTC).
تُقدر هذه الشهادة المؤسسات الفندقية والمشغلين الذين يلتزمون بمعايير بيئية صارمة: تقليل النفايات، واستخدام الطاقة الشمسية، وإعادة تدوير المياه الرمادية، وسلاسل غذائية قصيرة.
لم يعد السياحة الخضراء خياراً تسويقياً، بل أصبحت ضرورة استراتيجية.
يُفضل السياح أنفسهم، وخاصة من أوروبا، الآن الوجهات التي لها تأثير إيجابي.
5. الرقمنة والتكوين: مفاتيح التحول
ستكون السياحة المغربية في المستقبل متصلة و مؤهلة..
تتقدم الرقمية في القطاع بخطى سريعة: الحجز عبر الإنترنت، والجولات الافتراضية، والتسويق الآلي وتحليل البيانات لتحسين تدفقات العملاء.
تطور شركات ناشئة مغربية مثل Tripin.ma, Visit Morocco Tech أو Darna Travel AI حلول محلية لتحفيز التوزيع الرقمي للمنتجات السياحية.
لكن التكنولوجيا وحدها لن تكون كافية.
سيعتمد نجاح خطة “قبلة 2030” على تكوين رأس المال البشري..
يجب على المغرب تدريب الآلاف من المهنيين في المهن الجديدة: الإدارة المستدامة، والسياحة الرقمية، والضيافة الخضراء وتجربة العملاء المعززة.
لقد دمجت مدارس مثل المعهد المتخصص في الفندقة والسياحة (ISHT) في طنجة وINSA في مراكش بالفعل وحدات دراسية حول الاستدامة والتحول الرقمي في القطاع.
6. المغرب، هل يصبح الزعيم الأفريقي للسياحة المستدامة؟
تطمح المملكة إلى أن تصبح مرجعاً قاريًا.
بفضل بنيته التحتية الحديثة، واستقراره السياسي، ووضعيته الجوية، لديه مزايا كبيرة.
يُصنف مجلس السفر والسياحة العالمي (WTTC) المغرب بالفعل من بين ثلاثة بلدان أفريقية الأكثر أداءً في مجال الانتعاش بعد كوفيد.
تستهدف شراكات استراتيجية، خاصة مع السنغال، كوت ديفوار ورواندا، تبادل الخبرة المغربية في إدارة السياحة والاستدامة.
على المستوى الدولي، يُطالب المغرب بنهج “محايد مناخياً” للسياحة، في ارتباط مع التزاماته في COP28.
لكن للحفاظ على هذه الميزة، يجب على البلاد أن تتجنب الاكتظاظ في مواقعها الأيقونية (مراكش، شفشاون، Essaouira) واستثمار المزيد في المناطق الناشئة.
لن تتعلق مستقبل السياحة المغربية بالسوق المشهورة بالفعل، بل بالأودية غير المعروفة بعد.
7. بين الطموح الاقتصادي والمتطلبات الاجتماعية
لا تقتصر السياحة المستدامة على الأكواخ البيئية أو المواثيق البيئية.
بل هي أيضاً حول العدالة الاجتماعية: ضمان استفادة السكان المحليين فعلياً من العائدات الاقتصادية.
سيكون التحدي في السنوات القادمة هو إدماج السكان في سلسلة القيمة، من الاستقبال إلى ترويج التراب.
تظهر المشاريع المجتمعية في الأطلس وريفي أن هذه المقاربة ليست فقط أكثر إنصافاً، بل أيضاً أكثر ربحية على المدى الطويل.
لأن التراب المحترم يجذب سياحة وفية.
خاتمة
نجح المغرب في تجاوز أزمة السياحة بنجاح، لكن العصر الجديد الذي يفتح سيكون مسؤولية.
يجب أن تسير النمو والابتكار والشمولية والبيئة جنبًا إلى جنب.
لن تقاس نجاح السياحة المغربية الآن فقط بعدد الوافدين، بل بنوعية الحياة المحفوظة، والوظائف المستدامة التي تم إنشاؤها، والأراضي المقومة..
يبدو أن أفق 2030 سيكون عاما من السياحة المغربية الأكثر نضجا، والأكثر خضرة، والأكثر إنسانية..
المصادر:
-
وزارة السياحة – استراتيجية “قبلة 2030”
-
المكتب الوطني المغربي للسياحة (ONMT) – التقرير السنوي 2024
-
منظمة السياحة العالمية (OMT) – مؤشر انتعاش السياحة العالمية
-
GIZ المغرب – برنامج “جبال المغرب”
-
WTTC – تقرير السياحة المستدامة في أفريقيا 2024
-
البنك الدولي – السياحة والوظائف في المغرب.




