قطاع لا يزال يبحث عن هويته
على مدار السنوات القليلة الماضية، يجذب المغرب زبائن دوليين يرغبون في العلاج بتكاليف أقل، مع الاستمتاع بإقامة في بيئة مريحة. تتضمن التخصصات الأكثر طلباً الجراحة التجميلية، والعناية بالأسنان، وطب العيون، والتلقيح الاصطناعي، أو إعادة التأهيل الوظيفي.
يأتي المرضى بشكل رئيسي من غرب إفريقيا، وفرنسا، وبلجيكا، والشرق الأوسط. بالنسبة للكثيرين، يجمع المغرب بين القرب، والمهارات الطبية المعترف بها، والأسعار التنافسية: حيث تصل الأسعار في بعض التدخلات إلى أربعة أضعاف أقل من تلك الموجودة في العيادات الأوروبية.
ومع ذلك، على الرغم من التحديثات في البنية التحتية الصحية ووجود أطباء بارزين، لا يزال القطاع مشتتًا. لا توجد علامة وطنية أو إطار قانوني محدد ينظم اليوم "السياحة الصحية". النتيجة: تكثر المبادرات، ولكن دون تنسيق أو استراتيجية واضحة.
الجهات الخاصة في الخط الأمامي
يعتمد تطوير السياحة الطبية بشكل شبه حصري على المنشآت الخاصة. تتركز معظم العيادات القادرة على استقبال زبائن أجانب في الدار البيضاء، والرباط، ومراكش، وطنجة. وقد استثمرت بعض هذه العيادات في غرف عمليات من أحدث جيل، وغرف فاخرة، وشراكات مع فنادق أو وكالات سفر متخصصة.
ومع ذلك، تظل هذه الجهود معزولة. تعمل العيادات بشكل منفصل، دون قاعدة بيانات مشتركة أو مسارات اعتماد معترف بها دوليًا. تظهر بعض المبادرات، مثل الحصول على شهادة ISO للمؤسسات الصحية أو التعاون العرضي مع شركات التأمين الأجنبية. ولكن دون علامة "صنع في المغرب" التي تضمن جودة وأمان الرعاية، يعاني القطاع من ضعف الثقة.
الفرق في التكاليف: ميزة كبيرة ولكن هشة
تبقى واحدة من الحجج الرئيسية للمغرب هي التكلفة. تكون التدخلات الجراحية أقل تكلفة بنسبة تتراوح من 50% إلى 70% مقارنةً بأوروبا، مع تقديم مستوى من التقنية غالبًا ما يكون مقارنًا. يمكن أن تكلف جراحة تجميلية كاملة 2000 يورو في الدار البيضاء، مقابل 6000 يورو في باريس. كما تظهر خدمات الأسنان والعلاج البصري فروقات مماثلة.
لكن هذه الميزة السعرية تعتمد على عدة عوامل: سعر الصرف، والضرائب، والأهم من ذلك، تكاليف التشغيل. مع ارتفاع تكاليف الواردات الطبية وزيادة الأعباء الاجتماعية، قد تفقد العيادات المغربية هذه الميزة إذا لم يتم دعم التنافسية بسياسة عامة حقيقية.
أهمية الثقة الدولية
تعتمد السياحة الطبية قبل كل شيء على السمعة. لمنافسة تونس، وتركيا، أو الأردن، يجب على المغرب بناء علامة تجارية قوية تلهم الثقة. وهذا يتطلب الشفافية في الأسعار، واعتماد الأطباء، وتتبع الرعاية.
اليوم، تسجل منصات "السفر الطبي" عددًا قليلاً من المؤسسات المغربية. إن غياب نافذة واحدة، أو بوابة رسمية، أو حملة منسقة يعيق رؤية البلاد. ومع ذلك، الإمكانيات موجودة: المناخ، والاستقرار السياسي، والبنية التحتية الفندقية والجوية، وشبكة طبية مؤهلة.
إمكانات أفريقية كبيرة
بعيدًا عن السوق الأوروبية، يمكن أن يصبح المغرب مركزًا مرجعًا للمرضى الناطقين بالفرنسية في إفريقيا.يذهب العديد من المواطنين من منطقة الساحل وغرب إفريقيا بالفعل إلى المستشفيات المغربية للحصول على علاجات متخصصة غير متوفرة في بلدانهم.يمثل هذا الوضع الجنوبي-الجنوبي رافعة اقتصادية ودبلوماسية رئيسية. كما يعزز صورة المغرب كـ "فاعل في التعاون الصحي" على القارة، بينما يحفز العوائد المحلية: الإقامة، والنقل الطبي، والسياحة التجارية، والوظائف في خدمات الصحة.
شروط الازدهار المستداملتحويل الإمكانيات إلى قطاع منظم، هناك ثلاثة عوامل لا بد منها: إطار قانوني واضح، ونظام اعتماد وطني معترف به في الخارج، وتواصل مؤسساتي متسق.بدأت وزارة الصحة في إجراء مناقشات مع CGEM والمكتب الوطني المغربي للسياحة لإدماج الصحة في استراتيجية "المغرب وجهة 2030". الفكرة هي الترويج للسياحة عالية القيمة المضافة، التي تجمع بين الرفاهية، والرعاية الطبية، والضيافة المغربية.
لكن من أجل تحقيق ذلك، يجب على المغرب أيضًا معالجة الفجوات بين القطاعين العام والخاص، وتحسين حوكمة المستشفيات، وتعزيز حماية المرضى الأجانب. بدون ذلك، قد يبقى القطاع مجموعة من المبادرات المعزولة بدلاً من نظام إيكولوجي متكامل.
نحو نموذج "تجربة الصحة المغربية"؟
تقترح بعض الجهات إنشاء "علامة وطنية" مستوحاة من نموذج "الرعاية الصحية الماليزية" أو "السياحة الطبية التونسية". ستضمن هذه العلامة الجودة، والأمان، والشفافية في الأسعار، ومرافقة المريض منذ الحجز حتى المتابعة بعد العملية.
سيسمح هذا النظام بجمع العيادات، والفنادق، والوكالات، وشركات الطيران، وشركات التأمين حول عرض مشترك. سيكون أيضًا أداة للقوة الناعمة: عرض للعالم أن المغرب لا يكتفي ببيع المناظر الطبيعية، بل أيضًا المهارات الطبية.
.
. . .
.



