كان اليمن بالفعل صراعاً متعدد الأبعاد. وهو يتحول، بشكل أكثر وضوحاً، إلى مسرح تنافس بين قوتين كانتا تعتقدان أنهما شريكتان: السعودية والإمارات. هذا التنافس لا يتلخص فقط في خلافات دبلوماسية. بل يشمل حلفاء محليين مسلحين، معركة تأثير على مؤسسات الجنوب، وصراع للسيطرة على مناطق رئيسية، وموانئ وموارد. الأوضاع المتوترة الأخيرة حول عدن، فضلاً عن عدم الاستقرار المتزايد في الشرق اليمني، قد أعادت إلى الواجهة ملاحظة بسيطة: المعسكر المناهض للحوثيين ليس كتلة واحدة، وتفككه يمكن أن يؤثر بنفس قدر الخطوط الأمامية في الشمال.
في قلب هذا التنافس توجد اختلافات في الأهداف. تسعى الرياض أولاً إلى تأمين حدودها، وتقليل التكلفة السياسية والعسكرية للحرب، والحفاظ على حد أدنى من الوحدة اليمنية يسمح بالتفاوض للخروج من الأزمة. بينما بنى أبوظبي على مدى سنوات شبكة من القوى المحلية الشريكة في الجنوب، مع إعطاء أولوية استراتيجية للساحل، والمسارات البحرية، والتأثير على المساحات المينائية. وقد أدت هذه المنطق إلى ولادة قوة مزدوجة: من جهة الحكومة المعترف بها دولياً، المدعومة من السعودية، ومن جهة أخرى جهة فاعلة لا غنى عنها على الأرض، هي المجلس الانتقالي الجنوبي، المرتبط ارتباطاً وثيقاً بالإمارات.
Illustrates the escalation .
يتجاوز الرهان الرمز. تعتبر عدن العاصمة "الفعالة" للحكومة المعترف بها، ولكنها أيضاً مساحة تتمتع فيها قوات الجنوب القريبة من الإمارات بوزن عسكري وسياسي حاسم. مع تفرد حضرموت والمهرة، التي ظلت لفترة طويلة على هامش المعارك الكبرى، الآن تؤكد تنافساً ملموساً للغاية: الموارد، الوصول إلى البحر، الطرق اللوجستية، وجود القواعد والسيطرة على الإدارات المحلية. بالنسبة للرياض، فإن رؤية قوات مرتبطة بأبوظبي تتواجد أو تتقدم في هذه المحافظات تعني قبول منطقة نفوذ إماراتية قرب أولوياتها الأمنية الخاصة. أما بالنسبة لأبوظبي، فإن ترك هذه الأراضي لقوات متماشية مع الرياض يعني تقليل هيكل التأثير الذي تم بناؤه على مدار سنوات.
يتجلى هذا التنافس في تاريخ حديث مليء بالاتفاقيات السياسية غير المكتملة والشكوك المستمرة. كانت اتفاقية الرياض لعام 2019 تهدف إلى مصالحة الحكومة مع المجلس الانتقالي الجنوبي، وكان من المفترض أن تمنع انهيار الجبهة المناهضة للحوثيين من الداخل. لكن التنفيذ كان متقطعاً، مما سمح بتأسيس واقع مختلط: مشاركة مؤسسية في بعض الأحيان، و تنافس أمني شبه دائم، وتعايش سلاسل قيادة مستقلة.
كانت النتيجة إعادة تشكيل تدريجية للسلطة في الجنوب. قام المجلس الانتقالي الجنوبي بتعزيز وزنه، بينما وجدت المؤسسات الحكومية نفسها غالبًا معتمدة على تسويات محلية، وتمويلات خارجية، وتوازنات عسكرية هشة. في هذا المشهد، وجد المجلس الرئاسي للقيادة، الذي تم تصميمه لتوحيد المعسكر المناهض للحوثيين، نفسه في مأزق: يجب أن يتجنب صراع القوى المتنافسة، مدعومة كل منها برعاية إقليمية، مع الحفاظ على الحد الأدنى من القدرة على الحكم.
تُكمل البعد الجيوسياسي هذا المشهد. بينما كانت هناك مناقشات حول خارطة طريق للسلام على مراحل، فإن الديناميكية الإقليمية، خاصة التوترات في البحر الأحمر والضغط الأمني على المسارات البحرية، قد تعقدت الحسابات. بالنسبة للرياض، فإن الرهان هو تحقيق استقرار كافٍ للملف اليمني لتقليل تعرض المملكة للخطر. أما بالنسبة لأبوظبي، فإن الرهان أيضاً بحري واستراتيجي: الانطلاق، الموانئ، أمن الممرات، والتأثير على القوى المحلية القادرة على السيطرة على الأرض.
تخلق هذه اللعبة من القوى ثلاثة مخاطر كبيرة. الأول هو التفكك المستدام للمعسكر المناهض للحوثيين، مما يمنح الشمال موقعاً قوياً سياسياً، حتى دون تقدم عسكري ضخم. الثاني هو تحول الجنوب إلى فسيفساء من مناطق النفوذ، حيث يمكن أن تؤدي كل أزمة محلية إلى تصعيد بين رعاة إقليميين. الثالث هو زيادة الدولية في التوترات: حالما يتم الاعتداء على أي بنية تحتية استراتيجية أو تُعكر مسارات بحرية، تزداد الضغوط الدبلوماسية وتصبح سيناريوهات زعزعة استقرار الإقليم قابلة للتصديق.
من حيث الجدول الزمني، تعرّف التنافس منذ عام 2019، عندما أدت الاشتباكات الداخلية الجنوبية إلى اتفاقية الرياض في 5 نوفمبر 2019، التي كانت تهدف إلى دمج المجلس الانتقالي الجنوبي في إطار حكومي وإعادة تنظيم قوات الأمن. وقد تميزت السنوات اللاحقة بدورات تطبيق جزئي، بين إعلانات عن التوحيد وواقع تنافس على الأرض. بدءًا من عام 2022، أضفى إنشاء المجلس الرئاسي للقيادة نموذج التحالف الداخلي، ولكن دون حل الشبكات المسلحة القائمة.
في عام 2024، تداخلت احتمالات وجود خارطة طريق من الأمم المتحدة ومناقشات لخفض التصعيد مع استمرار وجود دولة مفككة وخطوط تحكم محلية. بحلول عام 2025، حدث تحول: القوة المتزايدة للمجلس الانتقالي الجنوبي وتوسعه نحو الشرق جعلت المنافسة بين الرياض وأبوظبي أكثر وضوحاً. وبنهاية عام 2025، أدت زيادة التوتر في حضرموت والمهرة إلى تحذيرات دولية، وفتحت سلسلة من الأزمات حيث تتزايد المطالب بالانسحاب، وانتشار القوات، وإجراءات الضغط. في 1 يناير 2026، أدى إيقاف الرحلات الجوية في عدن والجدل حول تفتيش الرحلات بين عدن والإمارات إلى تجسيد عمق الانقطاع، بينما دعا العديد من الفاعلين الدوليين علناً إلى التهدئة.
على المدى القصير، تهيمن ثلاثة سيناريوهات. الأول هو تصعيد مُفاوض، مع تجميد التقدم في الشرق وعودة إلى آليات التنسيق، تحت ضغط دبلوماسي. الثاني هو تقسيم فعلي معجل، حيث تتجمد المؤسسات خلف خطوط النفوذ وتصبح عدن عاصمة متنازع عليها بشكل دائم. الثالث هو التصعيد من خلال الحوادث، حيث تؤدي قرار لوجستي، أو مواجهة محلية، أو إجراء حظر إلى إثارة ردود فعل متتابعة وتضعف الاقتصاد والحكم في المناطق "المحررة" بشكل أكبر.
بالنسبة لليمن، فإن الرهان وجودي: لا يمكن تحقيق استقرار مستدام إذا كان المعسكر المعارض للحوثيين لا يزال تحت تأثير حرب باردة داخلية. بالنسبة للسعودية والإمارات، فإن الرهان استراتيجي: أصبح اليمن حدوداً أمنية لأحدهم، ومساحة نفوذ بحرية للآخر. طالما لم يتم التوفيق بين هذه الأولويات ضمن إطار سياسي موثوق، ستستمر الأزمة اليمنية في التجدد، حتى في غياب هجمات كبيرة على خطوط المواجهة.




