غالبًا ما يدور النقاش حول الصناعة المغربية حول صيغة بسيطة: "ورشة العالم" أو "منصة صناعية". على مدار العقد الماضي، تحول البلاد بوضوح إلى الفئة الثانية، على الأقل من حيث الحجم والصادرات. لكن سؤالًا أكثر تطلبًا يطرح نفسه الآن: هل يتجه المغرب نحو صناعة تتحكم أكثر في سلسلة القيمة، أم أنه يعزز أساسًا نموذجًا للعقود الفرعية التنافسية، الحديثة والأكثر اندماجًا؟
في قطاع السيارات، تفرض الأرقام الاحترام. في عام 2024، حقق القطاع 157.6 مليار درهم من الصادرات، مما يؤكد مكانته كأول قطاع مصدر في البلاد. هذه ليست مجرد تفاصيل محاسبية: إنها علامة على أن الصناعة أصبحت بنيوية، مع نظم بيئية وموردين وتدفقات لوجستية تحسب على المستوى العالمي. لكن سؤال الترقية يبدأ بالضبط عند النقطة التي تتوقف فيها الأرقام: ما هي نسبة هذه الصادرات التي تعكس قيمة "صنعت" محليًا حقًا، بعيدًا عن التجميع، والتوصيل، والمعدات؟
ومع ذلك، تظهر العناصر الرئيسية اتجاهًا تصاعديًا. رينو أنشأت في المغرب قاعدة إنتاج ضخمة: في عام 2024، أنتج مصنع طنجة عددًا من 312,381 مركبة, وقد تخطى مصنع سومكا في الدار البيضاء علامة رمزية بإنتاج 101,233 مركبة. هذه الأحجام تضع المغرب في قلب بنية الصناعة التكنولوجية للمجموعة، وخاصة في منطق الإنتاج الضخم الذي يتطلب انضباطًا في الجودة، ولوجستيات قوية، ويد عاملة مدربة.
في شركة ستيلانتس، الديناميكية أكثر دلالة على اللحظة التاريخية الحالية: أعلنت المجموعة في 2025 عن توسيع في القنيطرة يستهدف 535,000 مركبة سنويًا, مع زيادة في إنتاج المركبات الكهربائية الخفيفة (سيتروين أمي، أوبل روكس-ي، فيات توبولينو) من 20,000 إلى 70,000 وحدة سنويًا, وإطلاق محركات هجينة. ليست مجرد "زيادة في الإنتاج"، بل هي تحول نحو قطاعات (الكهربائية، وأنظمة الدفع، والتنقل الصغير) التي تمثل بالضبط الحدود بين العقود الفرعية والترقية.
لكن لا يتم تقييم الصناعة فقط من خلال التجميع النهائي. بل تُقيَّم من خلال الإدماج. وفي هذا الصدد، تقدم ستيلانتس مؤشرًا استراتيجيًا: هدف يبلغ 75% من التزويد المحلي بحلول عام 2030، مقارنة ب 69% عند الإعلان. التحدي كبير: كل نقطة في الإدماج المحلي تعني المزيد من الموردين المغاربة، والمزيد من المكونات المصنعة محليًا، ومزيد من القيمة المحتجزة في البلاد. وهنا تكمن الهشاشة: إذا بلغ الإدماج قمته، سيظل المغرب معرضًا لقرارات المانحين والتحكيمات العالمية على منصات الإنتاج.
أما قطاع الطيران، فهو يوضح ترقية أكثر نوعية. في عام 2024، بلغت صادرات القطاع حوالي 26.4 مليار درهم, ويضم النظام البيئي المغربي حوالى 150 شركة و 25,000 وظيفة. هذا القطاع أقل وضوحًا من السيارات ولكنه غالبًا ما يكون أكثر دلالة: تفرض الطيران معايير وشهادات وسلاسل إنتاج حرجة وثقافة صناعية صارمة. خاصة أنه يفتح الباب أمام قطاعات أكثر تقدمًا إذا نجح البلد في الانتقال إلى تجميع التركيبات المعقدة، والصيانة، وبعض جوانب الهندسة.
جاء الإعلان الأكثر رمزية في 2025: سافران تخطط لافتتاح "خط تجميع محركات LEAP-1A" قرب الدار البيضاء (برنامج إيرباص)، مع إطلاق مقرر في 2028, وقدرة تبلغ حوالي 350 محركًا سنويًا, ومصنع للصيانة مقرر في 2027, بسعة 150 محركًا سنويًا). عندما يقوم منتج بإنشاء نشاط محرك، لا يبحث فقط عن التكاليف: بل يبحث عن الاستقرار، والمهارات، والقدرة على الالتزام بمعايير إنتاج حساسة للغاية. إنها إشارة قوية، ولكنها تطرح سؤالًا جذريًا: ما هي نسبة هذه المهارات التي تتحول إلى خبرة محلية دائمة ونسيج من العقود الفرعية المغربية عالية المستوى؟هنا تتحدد الفروق بين "العقود الفرعية المحسنة" و"الترقية الحقيقية". تبدأ الترقية حقًا عندما يزيد البلد من حصة الأنشطة الصعبة النقل: الهندسة، تطوير البحث التطبيقي، الأدوات، مراقبة الجودة المتقدمة، والصيانة، وتصميم المكونات، والملكية الفكرية. ومع ذلك، تشتد المنافسة الدولية. تعيد أوروبا موطن بعض القطاعات، وتركيا وشرق أوروبا تبقيان عدائيتين في الصناعة، وآسيا تتقدم بسرعة في المركبات الكهربائية والبطاريات. لذا، يجد المغرب نفسه في لحظة حيث الأداء السابق لم يعد يضمن الفوز في المستقبل: يجب عليه عبور مرحلة "التقنيات + المهارات + الإدماج".يحاول البلاد الاستعداد لهذه المرحلة من خلال الاستثمار في التكوين، والاستقرار، والجاذبية الصناعية. ولكن التحدي السياسي واضح: إذا بقيت الصناعة المغربية تعتمد كثيرًا على قرارات المجموعات الأجنبية، فإنها قد تزدهر طالما أن الدورة العالمية مواتية... ثم تعاني عندما تتغير التحكيمات. على العكس من ذلك، إذا نجح المغرب في تأمين قطاعات ذات قيمة مضافة عالية (أنظمة الدفع، الهندسة، صيانة الطيران، الإلكترونيات المدمجة، البيانات الصناعية)، فإنه يعزز قاعدة أكثر سيادة، وأكثر مرونة، وأكثر خلقاً للرواتب المؤهلة.
في النهاية، الإجابة ليست بالأبيض والأسود. نعم، المغرب هو بالفعل موقع صناعي كبير، مع أرقام تثبت ذلك. ولكن الترقية ليست مجرد شعار: إنها معركة تفصيلية، وإدماج محلي، وترقية في المهارات، والقدرة على احتجاز القيمة بما يتجاوز التجميع. ستظهر العقد المقبل ما إذا كان المغرب سيصبح منصة إنتاج... أم منصة قرار صناعي.
,
,


