شراكة عملية رغم الاضطرابات الإقليمية
منذ توقيع اتفاقيات التطبيع في 2020، تشهد التبادلات الاقتصادية بين المغرب وإسرائيل نموًا مستمرًا. بعيدًا عن النقاشات السياسية، تم تعزيز التعاون على الأرض، حول مصالح متبادلة: الابتكار، الزراعة المستدامة، تقنيات المياه، الأمن والطاقة المتجددة.
وفقًا لتقديرات الحكومتين، تجاوزت التبادلات الثنائية 180 مليون دولار في 2024، وهو مستوى غير مسبوق منذ تأسيس العلاقات الاقتصادية. تزايدت الوفود التجارية في تل أبيب وكازا، مما يؤكد الاهتمام المتزايد لرجال الأعمال المغاربة بالتقنيات الإسرائيلية، لا سيما في مجالات الأمن السيبراني، معالجة المياه والزراعة الذكية.
التجارة والاستثمارات: صعود القطاعات التكنولوجية
تتعلق الصادرات الإسرائيلية إلى المغرب بشكل أساسي بالمعدات الإلكترونية، والأجهزة الطبية، وتكنولوجيا الري، بينما يصدر المغرب منتجات زراعية، ومكونات سيارات، والبضائع المصنعة.
لكن التحول الحقيقي يكمن في إرادة البلدين في الاستثمار المشترك في مشاريع البحث والتطوير والابتكار.
تم توقيع العديد من الاتفاقيات بين المؤسسات العامة والخاصة لدعم الشركات الناشئة ونقل التكنولوجيا. يرى المغرب في هذه الشراكة فرصة لتنشيط نظامه البيئي للابتكار، وتحفيز التوظيف المؤهل وزيادة تنافسيته الدولية.
مشاريع ملموسة في الزراعة التقنية، الأمن السيبراني والطاقة
تظهر نتائج هذه التعاون بالفعل على الأرض.
في المجال الزراعي، تم إطلاق عدة مشاريع تجريبية لإدخال حلول الري الذكي، المستندة إلى أجهزة استشعار وتحليل بيانات المناخ. الهدف: تقليل استهلاك المياه وتحسين الإنتاجية في المناطق الأكثر تأثرًا بالجفاف.
في الوقت نفسه، تتعاون شركات إسرائيلية متخصصة في الأمن السيبراني مع شركات مغربية لتعزيز حماية البنى التحتية الحيوية ودعم الانتقال الرقمي المنفذ في إطار خطة المغرب الرقمي 2030.
قطاع الطاقة ليس متخلفًا: تجري مناقشات حول الشراكات في الطاقة الشمسية والهيدروجين الأخضر، وهما مجالان يمتلك المغرب فيهما إمكانيات كبيرة، حيث تقدم إسرائيل خبرة تقنية متقدمة.
إطار دبلوماسي لا يزال هشًا ولكنه فعال
على الصعيد الدبلوماسي، تظل العلاقات بين الرباط وتل أبيب عملية. يحتفظ المغرب بخطته المبدئية حول القضية الفلسطينية، مع التركيز على التعاون الاقتصادي والعلمي.
تسمح هذه المقاربة للمملكة بالحفاظ على توازنها بين التضامن الإقليمي والانفتاح الدولي، بينما تعزز من صورتها كقوة متوسطة قادرة على الحوار مع جميع الأطراف.
بهذا المعنى، تم إنشاء عدة آليات ثنائية: لجنة اقتصادية مختلطة، مجلس أعمال وتبادلات أكاديمية بين مؤسسات البلدين. تهدف هذه المبادرات إلى مؤسسية التعاون وإخراجه من تقلبات السياسة.
الابتكار والتعليم: جسر بين نظامين بيئيين
بادرت الجامعات المغربية مثل جامعة محمد السادس polytechnique وجامعة بن غوريون في النقب بإطلاق برامج مشتركة تركز على الابتكار المستدام وتدريب مهندسين شباب.
هذه التبادلات الأكاديمية ضرورية لبناء تعاون طويل الأمد، قائم على المعرفة ونقل التكنولوجيا، بعيدًا عن جوانب التجارية فقط.
يسعى المغرب ليصبح مركزًا إقليميًا للبحث التطبيقي، خصوصًا في مجالات المياه، الزراعة الذكية والذكاء الاصطناعي. وترى إسرائيل، المعروفة بثقافتها الابتكارية، في ذلك بوابة إلى الأسواق الأفريقية والعربية.
تحديات مستمرة: التصور العام والحوكمة
على الرغم من التقدم، لا يزال التعاون يواجه العديد من التحديات.
على الصعيد الداخلي، تثير مسألة التطبيع ترددات ضمن المجتمع المغربي. يفضل بعض الفاعلين الاقتصاديين الحفاظ على سرية شراكاتهم، بحذر أو باستراتيجية صورة.
بالإضافة إلى ذلك، توجد قضايا تتعلق بالحوكمة ونقل المهارات، وهي حيوية لتجنب الاعتماد التكنولوجي وضمان فائدة متبادلة.
على الصعيد الإقليمي، قد تؤثر التوترات في الشرق الأوسط على وتيرة بعض المشاريع، حتى لو بدت معظم الشراكات الاقتصادية الآن مبنية لتقاوم تقلبات الدبلوماسية.
نحو تعاون مستدام ومتوازن
بعيدًا عن الأرقام، يتماشى التعاون المغربي الإسرائيلي ضمن رؤية استرايجية: بناء شراكة تستند إلى التكامل والابتكار.
إذا تمكن كلا البلدين من الحفاظ على إطار مستقر، وتعزيز الثقة وتوسيع تبادلاتهما نحو أفريقيا، قد يصبح المغرب جسرًا بين تل أبيب والقارة الأفريقية — دور جيوسياسي واقتصادي رئيسي في السنوات المقبلة.
المصادر: رويترز، جيروزاليم بوست، أخبار العالم المغربي، OEC، i24News، مكتبة البرلمان البريطاني




