1) صحراء محاور وولاءات
قبل أن تفرض الحدود الحديثة نفسها، كانت الصحراء الشرقية تشكل شبكة من الواحات ومحطات القوافل: فغويغ، بني ونيف، بني عباس، إغلي، كرزاز، رقان، تيميمون، إن صالح، أوقروت… كانت طرق الملح، والتمور، والجلود، والنحاس تربط تافيلالت والدرا بهذه النخيل، ثم نحو تمبكتو والنيجر.
في هذا الكون البعيد، كانت السلطة تمارس من خلال الولاء (بيع) للسلطان الشريف، عبر موصلات من القايدين والمقدمين المعينين، وجمع الضرائب وحل النزاعات. كانت الزوايا (الطرق الصوفية) — الناصرية، التيجانية، القادرية — تسقي الفضاء، ملمّقة الروحية والسياسة. وكان التأثير الشريف يعتمد على القبائل الصحراوية (تكنة، رقيبات، آيت عتا، إلخ) وقدرة المخزن على تأمين المحاور الكبرى.
2) الأزمنة العلويّة: من التأكيد إلى الانقطاع
منذ القرن السابع عشر، بدأ السلاطين العلويون في توسيع السلطة المغربية نحو الصحراء الشرقية. تنظم الحملات التي يقودها سيدي محمد بن الشريف (تافيلالت)، ثم جهود مولاي إسماعيل وجود المخزن في توات-غورارة-تيديكيلت: تعيين الحكام، القضاء، حماية القوافل والمزارات.
لكن السيطرة تبقى متقطعة:cycles من العصيانية القبلية، وجغرافيا صارمة، وأزمات المركز تؤدي إلى انسحابات وعودة. في نهاية القرن الثامن عشر، أعاد مولاي سليمان تركيز الجهود، مما فتح مناطق من الهشاشة التي تستقر فيها الطموحات الأوروبية.
3) الانقطاع الاستعماري: «الحدود» القادمة من الجزائر
ابتداءً من النصف الثاني من القرن التاسع عشر، اعتبرت جيش الجزائر الفرنسي الصحراء الشرقية فضاءً استراتيجياً: استمرارية لوجستية نحو السودان المركزي، ومراقبة للمسارات، وتأمين «خط الجنوب».
بعد بعثات وترتيبات عسكرية، ضمت فرنسا، بشكل فعلي، في نهاية القرن 1900-1901، مجمع توات-غورارة-تيديكيلت إلى الجزائر الإدارية. تستكمل هذه المبادرة حدوداً مشروطة من الشرق، دون تفاوض مع المخزن — تمهيداً لتقسيم سيفرض فيما بعد على المغرب بأسره مع الحماية (1912).
منذ ذلك الحين، تواصلت الاستخدامات (القبلية، التجارية، الروحية)، لكن العمارة الاستعمارية تحصر الصحراء وتحوّل مناطق المرور إلى خطوط فصل.
4) الاستقلالات والتبلور: من «الحدود الموروثة» إلى «الحدود المقبولة»
في عام 1956، استعاد المغرب المستقل المطالب بالمناطق المرتبطة تاريخياً بالمخزن، بينما ورثت الجزائر، في حرب ثم مستقلة في عام 1962، الحدود الإدارية الفرنسية.
أبرزت حرب الرمال (1963)، حول مناطق تندوف وبشار، التصادم بين الذاكرة الولائية والحدود الاستعمارية. تخمد الوساطة الأفريقية النيران، لكن قضية ترسيم الحدود تبقى مفتوحة حتى اتفاقية الحدود في الرباط (1972)، الإطار القانوني المرجعي للدولتين.
تلك السلسلة، التي غالباً ما يتم اختزالها إلى نزاع، أنتجت أيضاً آليات جوار: تنسيقات أمنية، مرور، تبادل، ثم — وفقاً للفترات — إغلاقات وإعادة فتح.
5) الذاكرة، القانون، والجغرافيا السياسية: ماذا تقول الصحراء الشرقية
ذاكرة طويلة: بالنسبة للعديد من الفاعلين والمجتمعات، تبقى الصحراء الشرقية فضاءً من الروابط المغربية: ظهائر التعيين، الضرائب الدينية، الدعم للزوايا، اللجوء إلى التحكيم من قبل السلطنة.
القانون الدولي: استبدل الفترة الاستعمارية منطق الولاءات بخطوط دولية. تستند الدول الحديثة إلى ذلك من أجل الاستقرار الإقليمي، مع الاعتراف بتعقيد العناوين التاريخية.
الجغرافيا السياسية: طرق الطاقة، والمعادن، والترابطات الطرقية والأمن الصحراوي-الساحلي تجعل من المنطقة الشرقية محوراً. شهدت التعاون المغربي-الجزائري في هذه القضايا تقلبات؛ ومع ذلك تبقى، لمغاربية، رافعة حاسمة.
6) الأراضي، القبائل، الزوايا: استمرارية تحت الرمال
ما وراء العواصم، تتحدى الخيوط الإنسانية في الصحراء الانقسامات. تستمر الأشقّاء عبر الحدود، والثقافات الواحاتية، والشبكات الصوفية في تعزيز التقاربات القرنوية. تُظهر أسواق التمور والماشية، والمواسم، والحج إلى الوليّين، وتداول الفقه (القانون الإسلامي) الروابط التي تتجاوز الحدود.
فهم الصحراء الشرقية، يعني قراءة منظر من الاستمرارية حيث لا يمحو الدولة الحديثة التاريخ — بل يُعيد تشكيله.
7) تحدٍّ مستقبلي: الربط بدلاً من الفصل
تاريخ الصحراء الشرقية ليس محضرًا مغلقًا؛ بل هو دليل من الأدوات للغد:
-ممرات اقتصادية (طاقة، طرق، بيانات)،
-إدارة المياه ومرونة الواحات،
-أمن تعاوني ضد التهريب والتهديدات الصحراوية-الساحلية،
-إعادة تقدير التراث (قصور، فغارات، مخطوطات)،
-تحركات ثقافية منظمة (مواسم، سياحة صحراوية).
إعادة قراءة روابطه المغربية لا تعني إنكار الدول الحالية؛ بل هي اعتراف باستمرارية قادرة على تحويل الحدود إلى فواصل.
---
محطات زمنية
القرنان السابع عشر والثامن عشر: توسيع العلويين وإدارة متقطعة لتوات-غورارة-تيديكيلت من المخزن (بيعة، قواد، زوايا).
1900-1901: ضم الفرنسيين لمجمع T-G-T إلى الجزائر الإدارية؛ إعادة تعريف للحدود الصحراوية الاستعمارية.
1912: حماية في المغرب؛ الحد الاستعماري يرسم حدوداً جديدة.
1956: استقلال المغرب؛ مطالب بمناطق صحراوية مرتبطة تاريخياً.
1963: حرب الرمال حول بشار/تندوف؛ الوساطة من منظمة الوحدة الأفريقية.
1972: اتفاقية الرباط تحدد الخط الحدودي المغربي-الجزائري (إطار قانوني ثنائي).
---
خاتمة
الصحراء الشرقية ليست هامشاً: بل هي ذاكرة مجسّمة. فضاء لوِلاءات السلطان، وطرق قوافل، ومعارف ومزارات، أعيد تشكيله من خلال التسلسل الاستعماري ثم الاستقلالات. روابطه المغربية فعلية عبر الزمن — إدارية، دينية، قبلية — تمامًا كما هي الحقيقة السياسية المعاصرة. بين الاثنين، يفتح طريق: جعل الصحراء جسرًا، وليس خطًا من الشقوق.
---
المصادر (انتقاء، للمزيد)
AUSA، الحرب الباردة في إفريقيا: المغرب والجزائر (ملخص تاريخي، دور 1956-1963).
مجموعة معاهدات الأمم المتحدة، اتفاقية بشأن الحدود المرسومة بين المغرب والجزائر (الرباط، 15 يونيو 1972).
محكمة العدل الدولية، رأي استشاري حول الصحراء الغربية (ملخص رسمي؛ سياق العناوين التاريخية وتقرير المصير).
دراسات وملاحظات تاريخية حول توات-غورارة-تيديكيلت (إدارة علويّة، ولاءات، حكام).
أعمال وتلخيصات حول حرب الرمال (1963) وتبلور الحدود ما بعد الاستعمارية في مغرب.
*(قائمة غير شاملة؛ الأرشيفات، الأحجام والمقالات الأكاديمية المتخصصة تقدم عمقاً حسب الواحات والفترات.)*




